السيد حيدر الآملي
536
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
العقل ، ونسبة الكواكب نسبة الأرواح الحسيّة المضيئة لكثرته وتفرقته على شبابيك الأجسام ومشكاتها فتخصيصه به أولى وأنسب لأنّ هذا النّور الواحد الَّذي هو نور اللَّه مثلا إذا أشرق على المظاهر الكثيرة فلا يصل إلى كلّ واحد منها إلَّا بقدر الكواكب لقلَّة قابليّته وصغر ظرفه كالبصر مثلا بالنّسبة إلى الشّمس فإنّها لا تشاهد الشّمس مع عظمة جرمها وكثرة شعاعها إلَّا بقدر الترس أو القرص ، وبوجه آخر مثاله مثال نور الشّمس أو القمر على الروازن الكثيرة والشبابيك المتعدّدة ، أو كالماء الواحد النازل من ظرف واحد جامع فيه إذا نزل منه وانتثر على الهواء وانتشر فيه فإنّه لا يرجع عنه إلَّا بقدر الدّرة أو اللؤلؤ البيضاء الَّتي هي كالكوكب في الاستدارة واللطافة ، أو كالماء النّازل فإنّه في الأصل ماء واحد نازل عن أصل واحد كما قال تعالى : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [ سورة الرعد : 4 ] . فإنّه يصير أيضا قطرات كلّ قطرة كالدّرة البيضاء ، وكالكواكب الَّدري من لطافته واستدارته . فكذلك نور اللَّه الحقيقي الَّذي هو ماء الحياة الحقيقيّة الموصوفة : وَكانَ عَرْشُه ُ عَلَى الْماءِ [ سورة هود : 7 ] . بمعنى العدم وأن معنى قوله تعالى : اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ [ سورة النور : 35 ] . هو انّه نفس وجود السّماوات والأرض وموجدهما ومظهرهما ، لأنّ السّماوات والأرض وما بينهما عند التّحقيق ظلمات بالنّسبة إلى نوره ، لأنّها ظلال كدرة وتعيّنات مظلمة ، مانعة من مشاهدة شمس وجوده الحقيقي كما شهدت به الآية المتقدّم شرحها في قوله : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ [ سورة النور : 40 ] . ومن قوله : أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَه ُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه ِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناه ُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [ سورة الفرقان : 45 - 46 ] .